الرسالة الثانية عندما يتعلم الدماغ أن الناس خطر لماذا نتوقع الأذى حتى من الأشخاص الآمنين؟ مرحبًا بكم... في الرسالة السابقة اكتشفنا أن العزلة لم تكن دليلًا على ضعفنا، بل كانت محاولة من أنفسنا لحمايتنا من الألم. واليوم سنخطو خطوة أخرى لفهم ما يحدث داخلنا. ربما لاحظ بعضنا أنه يشعر بالخوف أو التوتر في مواقف لا تبدو مخيفة. قد نتردد في الرد على رسالة. أو نقلق قبل مقابلة شخص جديد. أو نفسر نظرة عابرة، أو كلمة بسيطة، أو تأخرًا في الرد على أنه رفض أو تجاهل. وقد نتساءل: "لماذا أشعر بكل هذا القلق، بينما الموقف يبدو عاديًا؟" الإجابة تكمن في الطريقة التي يتعلم بها الدماغ من الخبرات. فالدماغ خُلق ليحمينا. ووظيفته الأساسية ليست أن يجعلنا سعداء، بل أن يساعدنا على البقاء في أمان. ولهذا، عندما يمر الإنسان بتجربة مؤلمة، لا يحفظ الدماغ تفاصيلها فقط، بل يحاول أن يمنع تكرارها مستقبلًا. فإذا تعرض أحدنا لخذلان من شخص وثق به... أو لسخرية أمام الآخرين... أو لعلاقة امتلأت بالنقد أو الإهمال... فقد يبدأ الدماغ في الربط بين العلاقات والألم. ومع تكرار التجربة، تصبح رسالته: "انتبه... قد يتكرر ما حدث." وهنا يبدأ الدماغ في إطلاق إنذار الخطر حتى قبل أن نتأكد من وجود خطر حقيقي. وقد يبدو الأمر وكأن جهاز الإنذار في المنزل أصبح شديد الحساسية... فبدل أن يعمل عند وجود حريق فقط... أصبح يعمل أيضًا عند خروج بخار الطعام. فالإنذار لا يحاول أن يزعجنا... إنما يحاول أن يحمينا، لكنه أصبح يخطئ أحيانًا في تقدير الموقف. وهذا ما قد يحدث داخلنا. فقد نلتقي بشخص محترم... لكننا نشعر بعدم الارتياح. وقد يقدم لنا أحدهم اهتمامًا صادقًا... فنشك في نواياه. وقد يتأخر شخص في الرد... فنعتقد أنه لم يعد يريدنا. ليس لأن هذه التفسيرات صحيحة دائمًا... بل لأن الدماغ يقارن الموقف الحالي بخبرات قديمة مؤلمة، فيتصرف وكأن الماضي يتكرر. وهنا تظهر نقطة مهمة جدًا: ليس كل شعور بالخطر يعني أن هناك خطرًا حقيقيًا. أحيانًا يكون الخطر أمامنا بالفعل، وهنا يكون الحذر حكمة. وأحيانًا يكون الخطر مجرد ذكرى قديمة استيقظت داخل الجهاز العصبي بسبب موقف يشبه الماضي. ولهذا فإن التعافي لا يعني أن نتجاهل إحساسنا... ولا أن نصدق كل إحساسنا. بل أن نتعلم التمييز بين: الخطر الحقيقي الذي يحتاج إلى حماية وحدود. وإنذار قديم يحتاج إلى طمأنة وفهم. كلما فهمنا هذه الفكرة، أصبحنا أكثر قدرة على التوقف قبل أن نهرب أو ننسحب. فنحن لا نحاول إقناع أنفسنا بأن الناس جميعًا آمنون. كما أننا لا نريد أن نعيش وكأن الجميع خطر. بل نريد أن نتعلم أن نفحص الواقع بهدوء، وأن نعطي كل موقف حجمه الحقيقي. وهذا ما سنبنيه معًا خطوة بعد خطوة خلال هذه الرحلة. --- تدريب هذا الأسبوع خلال هذا الأسبوع، نريد فقط أن نلاحظ كيف يعمل "جهاز الإنذار" داخلنا. اكتبوا ثلاثة مواقف شعرتم فيها بالخوف أو الرغبة في الانسحاب، ثم أجيبوا عن الأسئلة التالية: الموقف الأول ماذا حدث؟ ما الشعور الذي ظهر؟ ما الخطر الذي توقعته؟ هل كان هناك دليل واضح على وجود خطر؟ أم أن الموقف ذكرني بخبرة قديمة؟ ثم كرروا الأسئلة نفسها مع الموقفين الثاني والثالث. وفي نهاية الأسبوع، اسألوا أنفسكم: هل كانت كل مخاوفي مبنية على الواقع؟ أم أن بعضها كان محاولة من دماغي لحمايتي بسبب تجارب قديمة؟ ليس الهدف أن نحكم على أنفسنا... ولا أن نقول إن مشاعرنا صحيحة أو خاطئة. بل أن نتعلم أن نفرق بين ما يحدث الآن... وما حدث بالأمس. فكلما استطعنا التمييز بين الحاضر والماضي، أصبحنا أكثر قدرة على اتخاذ قرارات هادئة، وأقل اندفاعًا نحو العزلة. رسالة هذا الأسبوع "قد يشعر دماغي بالخطر لأنه يتذكر الماضي... لكنني اليوم أستطيع أن أنظر إلى الواقع بعين جديدة، وأميز بين ما يؤذيني فعلًا، وما يوقظ داخلي ذكرى قديمة."
كتبها حنان حنفى محمود
لو الكلام ده وصف حاجة بتعرفها، أول خمس عشرة دقيقة معه تعارف مجاني — تتكلم، وتقرر بعدها.