← العودة إلى المقالات
📄 مقال

٣- تابع لماذا اخترنا العزلة؟؟

حنان حنفى محمود

حنان حنفى محمود

مرشد نفسي وتربوى · ١١ أغسطس

الرسالة الثالثة هل نحن نحمي أنفسنا... أم نحرمها من الحياة؟ عندما تتحول الحماية المؤقتة إلى تجنب يحاصرنا مرحبًا بكم... في الرسالتين السابقتين بدأنا نفهم أنفسنا بصورة مختلفة. اكتشفنا أن العزلة ربما لم تكن دليلًا على أننا لا نحب الناس، وإنما كانت محاولة لحمايتنا من الألم. وفهمنا أيضًا أن الدماغ، عندما يمر بخبرات مؤلمة، قد يصبح أكثر انتباهًا لأي إشارة تشبه الخطر، فيجعلنا أحيانًا نتوقع الأذى حتى عندما لا يكون أمامنا خطر حقيقي. واليوم نريد أن نتوقف قليلًا أمام سؤال مهم: إذا كانت العزلة قد بدأت كوسيلة لحمايتنا... فهل ما زالت تحمينا؟ أم أنها أصبحت تحرمنا شيئًا فشيئًا من الحياة؟ --- العزلة ليست دائمًا شيئًا سلبيًا قبل أن نتحدث عن المشكلة، نحتاج أن نكون منصفين مع أنفسنا. فنحن جميعًا نحتاج إلى بعض الوقت بمفردنا. نحتاج أحيانًا إلى الهدوء بعد يوم مرهق. نحتاج إلى الابتعاد قليلًا عندما تكون مشاعرنا شديدة. وقد نحتاج إلى مساحة نستعيد فيها طاقتنا ونفكر بعيدًا عن الضوضاء. وهذا ليس مرضًا ولا ضعفًا. أن نختار بعض الوقت لأنفسنا شيء مختلف تمامًا عن أن نهرب من الحياة كلها. المشكلة لا تبدأ عندما نحتاج إلى الوحدة... بل عندما تصبح الوحدة هي الوسيلة الوحيدة التي نعرفها للتعامل مع الخوف أو الخلاف أو الخذلان. --- الحماية الصحية أم التجنب؟ هناك فرق مهم بين الاثنين. الحماية الصحية تقول: "هذا الشخص يؤذيني، لذلك سأضع حدودًا." "أنا مرهق الآن، لذلك سأرتاح ثم أعود." "هذا المكان غير مناسب لي، لذلك سأبتعد عنه." أما التجنب المزمن فقد يقول: "لن أثق بأحد." "لن أقترب من أحد حتى لا أتأذى." "أفضل ألا أتعرف على أشخاص جدد." "إذا حدث خلاف، سأختفي." "إذا شعرت بالخوف، سأغلق كل الأبواب." في الحالة الأولى نحن نحمي أنفسنا ونظل قادرين على الحياة. وفي الثانية نحن نحمي أنفسنا من الألم، لكننا ندفع ثمنًا من حياتنا. --- لماذا تكون العزلة مريحة في البداية؟ لأنها تمنحنا شيئًا نحتاج إليه بشدة: الإحساس بالسيطرة. عندما نبتعد عن الناس، تقل المفاجآت. لا أحد يستطيع أن يخذلنا إذا لم نقترب من أحد. لا أحد يستطيع أن ينتقدنا إذا لم نسمح لأحد بالاقتراب. لا توجد مشكلات كثيرة إذا لم تكن هناك علاقات كثيرة. ولهذا قد نشعر براحة حقيقية بعد الانسحاب. لكن علينا أن نسأل أنفسنا بلطف: هل هذه الراحة تعالج خوفي؟ أم أنها فقط تجعلني لا أتعرض للموقف الذي أخاف منه؟ وهنا يظهر الفرق بين الراحة المؤقتة والتعافي الحقيقي. --- العزلة قد تخفض القلق الآن... لكنها قد تزيده لاحقًا تخيلوا معنا أننا نشعر بالخوف من التواصل مع الناس. فنقرر ألا نرد على أحد. نشعر بالراحة. ثم يأتي موقف آخر، فننسحب مرة أخرى. نشعر بالراحة من جديد. وهكذا يتعلم العقل شيئًا: "عندما أشعر بالخوف، الانسحاب يجعلني أشعر بتحسن." فيصبح الانسحاب أكثر احتمالًا في المرة القادمة. ومع الوقت قد يصبح التواصل نفسه أكثر صعوبة، لأننا لم نعد نعطي أنفسنا فرصة لاكتشاف أن بعض المواقف قد تمر بسلام. وهنا يمكن أن تدخل العزلة في دائرة: خوف → انسحاب → راحة مؤقتة → قلة تواصل → وحدة → زيادة الحساسية تجاه الناس → خوف أكبر → انسحاب جديد. والهدف من رحلتنا ليس أن نلوم أنفسنا على هذه الدائرة. بل أن نفهمها حتى نستطيع كسرها تدريجيًا. --- لكن ماذا لو كان الناس فعلًا مؤذين؟ هذا سؤال مهم جدًا. التعافي لا يعني أن نفتح أبوابنا لكل شخص. ولا يعني أن نعود إلى علاقات تؤذينا. ولا يعني أن نثق بالجميع. الحدود الصحية جزء من التعافي. إذا كان شخص ما يمارس الإهانة أو الاستغلال أو التلاعب أو ينتهك حدودنا باستمرار، فإن الابتعاد عنه قد يكون حماية حقيقية. لكن المشكلة تحدث عندما نأخذ تجربة مؤذية مع شخص أو مجموعة أشخاص، ثم نحولها إلى قاعدة: "كل الناس مؤذون." وهنا نكون قد سمحنا لتجربة مؤلمة أن تحدد شكل حياتنا كلها. نحن نريد شيئًا أكثر اتزانًا: أبتعد عمن يؤذيني، لكن لا أبتعد عن الحياة كلها بسبب من آذاني. --- وهناك أمان أعمق من أمان العزلة ربما كانت العزلة تقول لنا: "ستكونين آمنة إذا لم يقترب منك أحد." لكن هذا أمان هش... لأنه يعتمد على شيء واحد: أن تبتعدي دائمًا. أما الأمان الداخلي الذي نريد أن نبنيه في هذه الرحلة، فيقول: "حتى لو واجهت موقفًا صعبًا، أستطيع أن أتعامل معه." "حتى لو خذلني أحد، أستطيع أن أحمي نفسي." "حتى لو لم أستطع التحكم في الآخرين، أستطيع أن أختار حدودي واستجابتي." وهنا يأتي البعد الإيماني الجميل في رحلتنا. فنحن لا نبني شعور الأمان اعتمادًا على قدراتنا وحدها. نحن نتعلم أن نستند إلى الله. قال تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: 255] فالحي الذي لا يموت، والقيوم الذي يقوم على خلقه ويدبر أمرهم، هو مصدر أعمق للاستناد من محاولتنا السيطرة على كل شيء بأنفسنا. وقال تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: 3] والتوكل هنا لا يعني أن نتوقف عن الحذر أو نترك حدودنا أو نتجاهل الواقع. بل يعني أن نأخذ بالأسباب، ونحمي أنفسنا بما نستطيع، ثم لا نجعل الخوف من المستقبل هو الذي يقود حياتنا. نحن نضع الحدود... ونختار الأشخاص... ونتعلم المهارات... لكننا لا نحمل أنفسنا مسؤولية التحكم في كل شيء. هناك ربٌّ حيٌّ قيوم، نرجع إليه عندما نعجز عن ضمان الحياة. وهنا يبدأ الأمان في التحول: من أمان مؤقت تقوله لنا العزلة: "لن يحدث شيء لأنني لن أقترب." إلى أمان أعمق يقول: "قد لا أعرف ماذا سيحدث، لكنني لست وحدي، ولدي القدرة على التعامل مع ما يأتي، والله أرحم بي وأعلم بحالي." --- لا نريد أن ننتقل من العزلة إلى الاندفاع وهذه نقطة مهمة جدًا. هدفنا ليس: "يجب أن أخرج وأتعرف على الجميع." ولا: "يجب أن أثق بالناس مرة أخرى." بل هدفنا أن ننتقل من: التجنب الكامل إلى الاختيار الواعي. أن أستطيع أن أقول: "هذا الشخص أقترب منه." "هذا الشخص أضع معه حدودًا." "هذا الموقف أتحمله." "وهذا الموقف أبتعد عنه لأنه مؤذٍ." وهذه هي الحرية النفسية: ألا تكون العزلة هي القرار الوحيد الذي أعرفه. --- تدريب هذا الأسبوع ماذا أعطتني العزلة؟ وماذا أخذت مني؟ هذا الأسبوع لن نطلب من أنفسنا أن نتوقف عن العزلة. بل سنحاول أن نفهم ثمنها وفوائدها بصدق ورحمة. قسّموا ورقة إلى نصفين: ماذا أعطتني العزلة؟ اكتبوا كل ما حصلتم عليه من خلالها، مثل: - الراحة. - الهدوء. - الابتعاد عن الصراعات. - الشعور بالسيطرة. - تجنب الخذلان. - حماية الخصوصية. - استعادة الطاقة. ثم اسألوا: ما الذي كنت أحتاج إليه فعلًا عندما حصلت على هذه الأشياء؟ هل كنت أحتاج إلى الأمان؟ أم الراحة؟ أم الاحترام؟ أم أن أتوقف عن التعرض للأذى؟ --- وماذا أخذت مني العزلة؟ اكتبوا ما فقدتموه أو قلّ في حياتكم بسبب العزلة، مثل: - علاقات كان يمكن أن تكون جميلة. - الدعم والمساندة. - المشاركة. - الشعور بالانتماء. - فرص جديدة. - خبرات اجتماعية. - لحظات من الفرح. - الشعور بأن هناك من يمكن اللجوء إليه. ثم اسألوا أنفسكم: هل ما زالت الفائدة التي أحصل عليها من العزلة تستحق الثمن الذي أدفعه؟ لا نحتاج إلى إجابة مثالية. نحتاج فقط إلى إجابة صادقة. --- سؤال إضافي مهم في نهاية التمرين، اكتبوا: "إذا كان هدفي هو الشعور بالأمان، فما الطرق الأخرى التي يمكن أن تساعدني على الشعور به دون أن أعزل نفسي عن الحياة؟" قد تكون الإجابات: - وضع حدود. - اختيار الأشخاص الآمنين. - طلب المساندة. - تعلم التعبير عن الاحتياجات. - تنظيم المشاعر. - إعطاء الثقة تدريجيًا. - الاستناد إلى الله. - طلب المساعدة المتخصصة عندما نحتاج إليها. --- رسالة هذا الأسبوع نريد أن نخرج من هذا الأسبوع بفكرة واحدة: "العزلة ربما حمَتني في وقت ما، وأنا ممتن لنفسي لأنها حاولت حمايتي... لكنني اليوم أستطيع أن أتعلم طرقًا أخرى للأمان، أكثر اتساعًا وأقل حرمانًا للحياة." ونريد أن نتذكر: لسنا مطالبين بأن نختار بين الأمان والحياة. يمكننا أن نتعلم كيف نحمي أنفسنا ونعيش. كيف نضع حدودًا ونحب. كيف نكون حذرين دون أن نغلق قلوبنا أمام كل الناس. وكيف نستند إلى الله عندما لا نستطيع أن نضمن المستقبل. فالأمان الحقيقي ليس أن نضمن ألا يؤلمنا أحد أبدًا... بل أن نعرف أننا نستطيع أن نحمي أنفسنا، وأن نطلب العون، وأن نتحمل الألم، وأن نعود إلى الحياة من جديد. وهذه هي الخطوة التي سنبني عليها رسالتنا القادمة.

حنان حنفى محمود

كتبها حنان حنفى محمود

لو الكلام ده وصف حاجة بتعرفها، أول خمس عشرة دقيقة معه تعارف مجاني — تتكلم، وتقرر بعدها.