← العودة إلى المقالات
📄 مقال

حين تحمل الجبال على أكتاف رقيقه :المرأة بين صمت التضحية وقسوة النقد

عزيزه احمد محمود طايع

عزيزه احمد محمود طايع

اخصائي نفسي اكلينكي واضطرابات نفسية وارشاد نفسي للمراهقين وإرشاد اسري وزواجي وتعديل سلوك الاطفال والمراهقين · منذ 1 يوم

**حين تُحمل الجبال على أكتافٍ رقيقة: المرأة بين صمت التضحية وقسوة النقد** **بقلم: عزيزة أحمد طايع** *(أخصائي نفسي إكلينيكي)* في أروقة العيادات النفسية، نلتقي يوميًا بأمهات وزوجات يعشن رحلة صامتة من الإنهاك النفسي والدينامي؛ رحلة لا خيار فيها سوى أن يظهرن بمظهر القوة المطلقة. تحمل المرأة أعباء الحياة وحدها، وتدير شؤون البيت والتربية والالتزامات اليومية، في مواجهة جدارٍ من الاعتياد المجتمعي الذي أحال ضخامة تضحياتها إلى "واجبات بديهية" لا تستحق التقدير، مما يلغي حقها الإنساني في الشعور بالتعب أو طلب الدعم. تتضاعف هذه الحمل إكلينيكيًا حين تكون المرأة في موضع "الأب والأم معًا"، وتحديدًا في العائلات التي يضطر فيها الزوج للسفر والغربة بحثًا عن الرزق. من المنظور النفسي، لا يقتصر العبء هنا على المهام التنفيذية، بل يمتد لما يُعرف بـ **العبء الذهني والنفسي المستمر (Chronic Mental Load)**. تُترك المرأة في حالة من الاستنفار العصبي الدائم (Hypervigilance) لمواجهة تفاصيل اليوم: المتابعة السلوكية للأبناء، والتعامل مع أزماتهم النفسية والصحية، وإدارة ميزانية البيت، ومواجهة المجتمع بمفردها. هذا الضغط المتواصل يرفع مستويات هرمون الكورتيزول ويستنزف جهازها العصبي، مما يجعلها عرضة لاضطرابات قلق المستقبل واضطرابات النوم. والأشد إيلامًا من ثقل المسئولية، هو **غياب الدعم النفسي وتسلل النقد**. المجتمع بقسوته لا يرى مئات المواقف التي نجحت فيها، بل يقف بالمرصاد عند أول هفوة أو تعثر، ممارسًا نوعًا من "اللوم الممنهج". وعندما تشتكي، تُجابه بآليات دفاعية مجتمعية تقلل من معاناتها مثل *"غيرك يتمنى هذه النعم"*. حتى الشريك في الغربة -وبفعل البُعد المكاني والضغط الذي يعيشه- قد يسقط في فخ التقييم من منظور النتائج فقط، فيوجه إليها اللوم على سلوك ابن أو تعثر دراسي، دون أن يدرك حجم المعاناة النفسية والمكابدة اللحظية التي عاشتها بمفردها. من الناحية الإكلينيكية، تؤدي هذه الدوافع المزدوجة (التضحية الصامتة + النقد المستمر) إلى دخول المرأة في مرحلة **الاحتراق النفسي الكامل (Burnout)**. يبدأ الأمر بإجهاد عاطفي شديد (Emotional Exhaustion)، يليه تبلد في المشاعر (Depersonalization) لحماية نفسها من الألم، وصولاً إلى انخفاض الشعور للإنجاز الشخصي. تتسلل إليها مشاعر الذنب المرضي وجَلد الذات (Self-Blame)، حيث تبدأ في تبني نقد المجتمع لنفسها، مما يمهد الطريق لنوبات الاكتئاب والعزلة الوجدانية، أو ظهور أعراض جسدية ذات أصل نفسي (Psychosomatic Symptoms) كالآلام المزمنة والقولون العصبي. إن الأمان النفسي للمرأة ليس رفاهية، وحمل المسئولية لا يعني إلغاء إنسانيتها وحقها في الخطأ والراحة. إن الشراكة الزوجية -خاصة في ظروف الغربة- تتطلب نضجًا قائمًا على "الامتنان والدعم النفسي المتبادل" لا على "التفتيش والتقييم الإجرائي". نحتاج مجتمعيًا وأسريًا إلى أن نبصر حجم الجبال التي تحملها هذه الأكتاف الرقيقة، وأن ندرك أن التقدير الصادق، والدعم النفسي الواعي، وإشعارها بأنها ليست وحدها في الميدان، هو خط الدفاع الأول لحماية صحتها النفسية واستقرار الأسرة بأكملها.

عزيزه احمد محمود طايع

كتبها عزيزه احمد محمود طايع

لو الكلام ده وصف حاجة بتعرفها، أول خمس عشرة دقيقة معه تعارف مجاني — تتكلم، وتقرر بعدها.